بُنِيَ البيت العتيق في رحم العام 1904. ظلّ واقفاً كشاهد صامت على قرنٍ كامل من الزمان، جدرانه الخشبية تئنّ تحت ثقل الذكريات، وأرضيته الخرسانية الباردة تختزن في طيّاتها أسراراً لا تُحصى. عشت في هذا البيت مع إخوتي قرابة اثني عشر عاماً، وشهدنا جميعاً ظواهرَ غريبةً علّقناها على دقّة الباب وهمسات الليل. ولكن من بين كل الحكايات، تظلُّ ما حدث لأخي الأكبر في ذلك المساء البارد أواخر الخريف، هي الحكاية التي لا تُنسى.
كان لأخي ورفاقه فرقةٌ موسيقية ناشئة. كانوا يجتمعون كلّ يوم أحد في قبو البيت الواسع المترامي الأطراف، يملؤون جنباته العفنة بعزفهم الصاخب حتى ساعات المساء الأولى. في ذلك اليوم، قرّروا إنهاء التدريب باكراً والانتقال إلى منزل آخر. انصرف الجميع، حاملين معدّاتهم عبر الممرات الضيقة المتعرجة في القبو، صاعدين السلالم الخلفية الحادة، مارّين بالمطبخ ثم الصالة، ليخرجوا أخيراً إلى الشرفة الأمامية حيث ينتظرهم صفّ السيارة.
بقي أخي لوحده ليتأكّد من إطفاء الأنوار. كان قد همّ بصعود السلالم الخلفية عندما تذكّر: لقد نسي علبة طعامه على أحد مكبّرات الصوت في الزاوية الأعمق من القبو. تردّد لبرهة، ثم قرّر العودة. لم يكن القبو مكاناً مرحباً. فضاءٌ مظلمٌ غير منظم، تحجبه أقسام خشبية شبه منهارة، وتقسمه غلاية التدفئة المركزية العملاقة التي تقبع في وسطه كقلبٍ ميّتٍ من حديد. كانت الأنوار الخافتة تخلق متاهةً متحرّكة من الظلال الطويلة.
حين وصل إلى العلبة، شعر بها قبل أن يراها. حركةٌ في أقصى حقلّ بصره الأيسر. مجرّد ومضة ظلّ. ليس شكلاً واضحاً، بل إحساساً غامضاً بكيانٍ يقف هناك، في الزاوية حيث يلتقي الضوء الخافت بالظلمة الكثيفة. تسلّل إليه شعورٌ مفاجئٌ بالاختناق، وكأنّ الهواء نَفِدَ فجأةً من المكان. كان الخوف الذي اجتاحه مختلفاً؛ لم يكن خوفاً من مجهول، بل إدراكاً عميقاً وبدائياً بأنّ هذا "الشيء" كان ينتظره. كان يعرف ما يقال في مثل هذه اللحظات: أن تردّد دعاءً، أو أن تواجهه بسبابٍ لتهزم خوفك. اختار السباب.
همس بصوتٍ أجشّ، أكثر حزماً ممّا كان يشعر: "ليس لدي وقت لألاعبك اليوم. اختفِ".
التفت ببطء، مبتعداً عن المكان دون أن يحوّل نظره كلياً نحو الزاوية. خطواته كانت مقصودة وثابتة، لكن قلبه كان يخفق كطبلٍ مجنون في صدره. أطفأ الأنوار خلفه واحدةً تلو الأخرى، وأغلق الأبواب بخشونة، محاولاً خلق حواجز مادية بينه وبين ذلك الحضور الذي بدأ يشعر به يزحف خلفه، لا يرى، بل يُحسّ كبردٍ مفاجئٍ يلاحق ناصيته.
الضوء الأخير كان مفتاح الصالة الكبير، بجانب الباب الأمامي. كان الباب مفتوحاً على مصراعيه، فيضانٌ ضاربٌ إلى الحمرة من ضوء المصباح العمومي في الشارع البعيد يغمر أرضية الصالة الخشبية. وقف أمام المفتاح، والشعور بأنّ "الشيء" يقف الآن على بعد خطواتٍ خلفه كان أقوى من أي وقتٍ مضى. مدّ يده بسرعة، طَفَأ النور.
سُحِقت الصالة فجأةً في ظلمةٍ دامسة، لم يعد يرى سوى المستطيل البرتقالي للباب المفتوح. خطا خطوة، ثم خطوتين، ثم انطلق دفعة واحدة خارج الباب، يسحبه خلفه بقوة ويغلقه بصوتٍ مدوٍّ هزّ أرجاء الشرفة الخشبية. ظلّ ماسكاً علبة الطعام في يده كما لو كانت شريان حياة.
ركض نزولاً على درجات الشرفة القليلة، ثم أسرع مشياً باتجاه البوابة الحديدية الكبيرة. كان البيت منعزلاً في مقدّمة قطعة أرض كبيرة، لا جيران قريبين، لا أضواء سوى مصباح الشارع البعيد. في ذلك المشي الطويل نحو السيارة حيث ينتظره أصدقاؤه، بدأ التوتر الذي يشده من الداخل يتحوّل إلى سخافة. ابتسم ساخراً من نفسه في الظلام. "ماذا كنت أتخيّل؟ لقد أرهقنا أنفسنا بالتدريب. هذا كل شيء".
وصل إلى الشاحنة، فتح باب السائق وارتمى في مقعده. كان التنفس العميق الذي أطلقه وهو يربط حزام الأمان هو أول شعور حقيقي بالأمان منذ دقائق. أشعل المحرك، وأدار عجلة القيادة استعداداً للانطلاق.
قبل أن يتحرّك، سمع صوت صديقه من المقعد الخلفي يقول: "انتظر لحظة... ماذا عن أخيك؟ أليس من المفترض أن يأتي معنا؟"
نظر أخي إليه عبر المرآة الداخلية، حاجبيه مقطّبين. "أخي؟ ذهب إلى عمله في النوبة الليلية مبكراً اليوم. سيارته ليست هنا. كما ترى."
ساد صمتٌ قصير داخل السيارة، ثم سمع نفس الصديق يتكلّم مرة أخرى، بصوتٍ مختلف هذه المرة، أصغر وأكثر حذراً:
"إذاً... من كان ذلك الرجل الذي خرج من البيت خلفك، ووقف على الشرفة وهو يشاهدنا طوال الوقت حتى ركوبك السيارة؟"
لم يتحرّك أخي. عيناه تتجهان ببطء نحو المرآة الجانبية للسيارة، حيث يمكنه رؤية الشرفة المضاءة بنور المصباح البعيد. كانت خالية.
لكنه لم يحتج للنظر إلى المرآة ليعرف الحقيقة التي اخترقت قلبه كسكينٍ من جليد. لأنه في تلك اللحظة بالذات، وقبل أن يرفع عينيه، شعر بوزرة باردة تجلس بالفعل في المقعد المجاور له.
