في شقة باريسية عادية، حيث يفترض أن تملأ براءة الطفولة جنبات المكان، سُطعت أغرب جريمة عرفتها فرنسا. لم تكن جريمة عابرة، بل كانت عبثاً وحشياً بجسد طفلة في ربيعها الثالث عشر، لتصبح "لولا ديفيه" اسماً على مأساة، وشاهداً على شرٍّ استثنائي، هز ضمير الأمة الفرنسية من أعماقها، ودفعها إلى مواجهة أسئلة وجودية عن طبيعة الشر والإنسانية.
من دهبية بنقريد إلى "الشيطان البشري
في الثاني والعشرين من عمرها، وصلت دهبية بنقريد (27 عاماً) القادمة من الجزائر إلى فرنسا، حاملةً معها أحلاماً كأي مهاجرة شابة. لكن تلك الأحلام ما لبثت أن تحولت إلى كوابيس صنعتها يداها. تحولت دهبية في سجلات القضاء والإعلام من مجرد اسم إلى رمز للرعب المطلق. وصفها محامي عائلة الضحية بأنها "الشيطان في صورة بشرية"، بينما رأى فيها الرأي العام تجسيداً للشر الذي لا يعرف حدوداً.
سرد للفظاعة بعيداً عن الصدمة
كما ورد في التقارير القضائية، في يوم 14 أكتوبر 2022، استدرجت بنقريد الطفلة لولا إلى قبو مبنى سكني في مدينة ليل الفرنسية. هناك، وفي مشهد لا يمكن للعقل البشري استيعابه، قامت الجانية بتعذيب الفتاة بشكل ممنهج، قبل أن تقتل بدم بارد وتتخلص من جثتها. التفاصيل التي كشفتها التحقيقلت صادمة لدرجة أن القضاة أوصوا بعدم نشرها كاملةً حفاظاً على المشاعر العامة وعلى كرامة الضحية وعائلتها.
لولا والبحث عن العدالة
لم تكن لولا مجرد رقم في سجل الجرائم، بل كانت فتاة مفعمة بالحياة، تحلم بمستقبل ينتظرها. عبرت عائلتها عن ألمها الممض بقولهم: "لولا لم تمت، لقد قُتلت بطريقة وحشية لا يمكن وصفها". ووصفوا الجانية بأنها "وحش" تجرد من كل إحساس بالإنسانية. تحول حزن العائلة إلى صرخة مطالبة بالعدالة، كانت شرارة أيقظت الضمير الوطني.
الحكم التاريخي مؤبد دون رحمة.. سابقة قضائية فريدة
عندما أصدر القضاء الفرنسي حكمه بالسجن المؤبد على دهبية بنقريد دون إمكانية للإفراج المشروط، كان يكتب صفحة جديدة في تاريخه القضائي. فهذا الحكم يجعلها أول امرأة في تاريخ فرنسا تحصل على هذا العقاب القاسي، في قرار يضعها في مصاف أخطر المجرمين في البلاد، بل ويساويها برموز الإرهاب مثل صلاح عبد السلام المدان في هجمات باريس الدامية.
ردود الفعل بين صدمة الشارع ودعوات الإعدام
هزت الجر..يمة المشهد السياسي والاجتماعي في فرنسا. خرجت مظاهرات حاشدة تندد بالجريمة البشعة، ورفع متظاهرون لافتات كتب عليها "العدالة للولا". كما أعادت القضية إحياء النقاش حول عقوبة الإعدام في الأوساط السياسية اليمينية، حيث طالب بعض السياسيين بإعادة النظر في إلغاء هذه العقوبة في جر..ائم الوحشية المفرطة.
في مواجهة الشر وحماية البراءة
قضية لولا ليست مجرد جريمة قتل، بل هي نافذة أُجبر المجتمع الفرنسي على النظر عبرها إلى أعماق الشر الكامن في النفس البشرية. إنها تذكير مأساوي بأن الوحشية لا جنس لها، ولا جنسية لها، ولا حدود لفظاعتها. في مواجهة هذا الشر، تبرز أهمية أنظمة العدالة المتينة، والحماية الاجتماعية الفعالة، واليقظة المجتمعية الدائمة لحماية الطفولة من أي اعتداء. ففي النهاية، عدالة واحدة قد لا تعيد لولا إلى أحضان عائلتها، لكنها تظل شمعة مضيئة في مواجهة ظلام الوحشية.
